29 أبريل 2008

باحب اللون الاحمر .......

26 أبريل 2008

سؤال بلا اجابه .....!

اعتدت من كل المتهمين الذين صادفتهم مذنبين في الحقيقة او ابرياء علي انكار كل التهم المنسوبة اليهم وادعاء البراءة وارتداء ثوب الشهداء والقديسين والضحايا والبكاء بدموع حاره او دموع تمساحيه علي حظهم العثر الذي قادهم ظلما وعدوانا خلف القضبان !! اعتدت هذا ودربت نفسي علي تقبل انكارهم باعتباره دربا من دروب الهروب من الواقع الاليم الذي يعيشونه افتراءا او استحقاقا بل ودربت وجهي علي الحياديه المنضبطة فلا اظهر لاي منهم انني اصدقه او اكذبه ولاابين لهذا تعاطف مع روايته ولااوضح لهذا نفور من قصته بل حبست نفسي وقت تعاملت معهم في قالب مهني صرف وتعاملت مع انكارهم وهروبهم من الواقع ومن ذواتهم وكأنه الحقيقة التي لايوجد غيرها لكن ذلك لم يحل بيني وبين اختراق الحجب بحثا عن انفسهم الحقيقية وكثيرا ما نجحت في العثور عليها متوارية هاربة من هالات الكذب التي صنعوها وصدقوها وباعوها للاخرين واحتفظت بداخلي بانطباعاتي وارائي وتقديري الشخصي لكل منهم وروايته وقدر اقترابها من الصدق او الكذب ولم يكن لذلك تأثير علي عملي فقد ترافعت عنهم جميعها حسبما تقودي اوراق الدعوي وادلتها وحصل بعض المذنبين علي البراءة وقضي علي بعض الابرياء بالادانة تقودنا انا وهم لاقدارهم الادلة والمستندات وبعض الحظ !!! لذا كان اندهاشي كبير وقت قابلت احد المتهمين الذين كلفت بالدفاع عنه فاذا به رجل لايكف عن الاعتراف باخطاءه وخطاياه وجرائمه وكأنه يتباهي بها ولااخفي عليكم استفزازي من منهجه و نفوري من اعترافاته المتالية بجرائم اعتدي فيها علي ضحايا ابرياء وسرق نقودهم وخدعهم لكن السكينة التي كانت ترتسم علي وجهه قلصت استفزازي ودفعتني لاختراق عالمه بحثا عن فهم نموذج شاذ لم اقابل مثله الا نادرا ، اقتربت منه وسألته غاضبه كيف يقوي وهو عتيد الاجرام علي الاعتراف بافعاله الواحد تلو الاخر وكأنه لم يفعل شيئا ، كيف يقوي علي الاعتراف بجرائمه وفي ذات الوقت يطالبني بانكارها امام المحكمة وطلب البراءة له ، كيف يقوي علي الاعتراف بجرائمه دون شعور بالندم او احساس بالخزي !! والغريب والمدهش انه ابتسم لي بصفاء شارحا ان البراءة امام المحكمة نتيجه تقودنا اليها الاوراق اما الاعتراف بالجرائم دون خزي فهو افتراض عندي لادليل عليه افترضته بحكم الملابسات المحيطة وافترضته بحكم تصوراتي المسبقة عنه باعتباره اذا كان مجرما – حسب قوله – فلابد ان يكون غليظ القلب واتسعت ابتسامته اكثر وسألني "الا يكفي انني ارتكبت الكثير من الجرائم هل لابد ايضا ان اكون كاذبا منحطا ؟؟؟!!! ولم ينتظر اجابتي وتركني وعاده لمكانه مبتسما هادئا لاتشعر من نظرات عينه الا بمصالحه النفس !!! وبقيت حائره افكر في سؤاله ولم اجد له اجابه حتي الان؟؟؟؟؟؟؟

او ..... لن تدركنا ابدا !!!!!!!!

نحن الاغلبية الصامته التي لاتنتمي الي أي فريق في هذه الانتخابات ولسنا جمهور أي منهم ، ولايحق لاي فريق منهم الحديث نيابة عنا ولاالادعاء بأننا جمهورها الصامت ، فنحن الذين اخترنا الاختيار الصعب ،اخترنا الا نختار وتعمدنا الا نشارك في معاركهم ورفضنا ان نضحك علي انفسنا بدعايتهم ، نحن الذين اخترنا عدم المشاركة موقفا ايجابيا معبرا عن عدم اقتناعنا باي حديث نسمعه منهم وعدم تصديقنا لاي دعاية بيعت لنا منهم وعدم قبولنا لاي وعود روجت لنا بواسطتهم.. نحن الاغلبية الصامته التي تحلم بمستقبل للامة لم يتحدث عنه ولا يعرفه أي من الفرقاء الانتخابيين ، نحن الاغلبية الصامته التي مازالت تنتظر فرسانها المؤمنين بها المنتمين لها المدافعين عنها ، نحن الاغلبية الصامته العطشي لخطاب لم يقل به احد ، الاغلبية الصامته المنتظرة بكل قلوبها وعقولها ووجدانها للقادمين من قلب الشعب المعبرين عن حضارته وتراثه الجاد الملهم ، حملة مشاعل المستقبل الذين يأخذون بايدينا ونتكاتف معهم لصنع المستقبل الحقيقي لوطن مستقل غير تابع قابض علي مقدراته الاقتصادية مؤمن بالتنمية والعدالة الاجتماعيه والانصاف الاجتماعي ، وطن يؤمن ان كثافته السكانية كنزا اقتصاديا يلزم الاعتناء به ورعايته وتوجيه طاقاته وتأهيله للالتحاق بدول المستقبل ، وطن يري التعليم الجاد المتقدم سبيلا وحيدا للنهوض بعقول الامة ، وطن يري الاعلام الجاد المحترم سبيلا وحيدا للحفاظ علي عقول الامة ، وطن يحترم عقوله البحثية ويفتح امامها ابواب البحث العلمي ، وطن يؤمن بالفن الجاد المحترم ويفجر الطاقات الابداعية لابناءه المبدعين ويرعاهم ويمكنهم من ممارسه فنونه المعبرة عن حس الشعب وتراثه وثقافته الجادة ، وطنا يؤمن بالعدالة العمياء سبيلا وحيدا للكرامة والانسجام الاجتماعي و يقوم علي المساواة امام القانون رافضا التمييز الديني و الطائفي و الجنسي ، وطن يحب ابناءه ويحافظ عليهم ويرعاهم ويرعي حقوقهم في الوطن وبكل الدول ، وطنا يحافظ علي كرامة ابناءه ولايطردهم ولا يضطهدهم ولا يغلق ابواب الرزق في وجوههم ، وطن لا يذل ابناءه بلقمة عيشهم ولايذلهم بعصا شرطيه ، وطنا منحاز لفقراءه ملح الارض وصناع الحضارة وبناه الهرم وشهداء حفر قناه السويس وجنود حرب 73 الفلاحين الزراعين للخير والنماء وطنا محترما لقيم الجدية و" العمل عبادة " ، وطن يؤمن من اعماق قلبه وبفطرته السليمة بالرب الرحيم الغفور الرحيم الخالق العظيم ويحترم العقائد الدينيه لابناءه ويكفل لهم حريتهم في ممارستها ، وطن يؤمن بالجمال فينشره ويدافع عنه ، وطن يرفض القبح فيقاومه ويتصدي له ، وطن ينشغل بالقضايا الاستراتيجيه الكبري والدور العربي والاقليمي والعالمي وينشغل بالقضايا اليومية الحياتيه الصغيرة فيرفع القمامه من الشوارع و يزرع الاشجار علي جانبيها ويقلم الورود في حدائقها ، وطن بحق كمثل الاوطان التي تختلج النفوس بحبها وتنتفض القلوب بعشقها ونضحي بالنفوس والارواح والغالي والنفيس من اجلها ...
وحتي ينقشع الليل ويخرج علينا نهارا حانيا جميلا مليئا بحب الوطن وحتي نسمع الخطاب الذي يشد عقولنا وقلوبنا وينفض عن نفوسنا اليأس وعن مرارة هذه الايام ، فنحن الاغلبية الصامته المحبة للوطن التي ستبقي صامته وصامته ..
قال صلاح عبد الصبور في رائعته " ليلي والمجنون " واقوله معه لفرسان المستقبل ..
اكتب لك
باسم الفلاحين وباسم الملاحين
باسم الحدادين وباسم الحلاقين
باسم الحمارة والبحارة
والعمال واصحاب العمال
والاعيان وكتاب الديوان
والبوابين وصبيان البقالين
والاهرام وباب النصر والقناطر الخيرية
وعبد الله النديم وتوفيق الحكيم والمظ
وشجرة الدر وكتاب الموتي ونشيد بلادي بلادي
نرجو ان تأتي باقصي سرعه
فالصبر تبدد واليأس تمدد
اما ان تدركنا الان او لن تدركنا ابدا

" من مقاله الاغلبيه الصامته - نشرت بجريده روز اليوسف اليوميه عقب انتخابات برلمان المستقبل ٢٠٠٥ "

حلم ريم ..........!!!!

( 1 )
تلفتت ريم حولها ، ابتسمت ابتسامه واسعه وهي لاترغب في الابتسام ، وجدت نفسها فجأ في شقه انيقه جديده ، جدرانها تلمع بيضاء نظيفه تتوهج تحت الاضاءة الساطعه للثريات الكريستال البراقة ، اما الارض فرخام اسود يشوبه عروق ذهبية توحي بالعراقة والجمال و الثمن الباهظ ، تلتفت ريم تتأمل المفروشات ، الوانها هادئه نقوشاتها بسيطه ، تتناسب و الجدران الناصعه ، تري علي الارض سجاده عتيقة تفصح عن عمرها المديد الذي طال بسبب مهاره صانع في بلد بعيد احب عمله واتقنه !! تخاف ريم ان تسير عليها ، لكن قدماها تسحبها فوق السجاده فتحس نفسها فوق السحاب ، تسير علي حرير ناعم ثابت ، ترتبك ريم ، وهي التي اعتادت خطي الحصر المصنوعه من الخوص الرديء ، رفعت ريم بصرها للسقف تتأمل الثريات الكريستال ، اغلقت عيناها من وهج المصابيح التي ترمي ضوءها علي السقف الابيض الناصع فيتضاعف النور الاف المرات..
ارتبكت ريم وهي مبتسمه ، تحس ضياعا محببا ، من اتي بها الي هنا ، الي تلك الشقة التي كانت تحلم بها ؟؟، من اصحابها؟؟ ، كيف تفسر وجودها متسلله الي هنا دون اذن او تصريح ، تلفتت برأسها حولها تبحث عن قبس يهديها الي تفسير مفهوم ، كيف اتت الي هنا ؟؟ ،لا تجد اجابه ولا تجد تفسير ورغم هذا لاتحس رعبها المتعاد وقت الغربه والضياع و الخوف من المجهول ، علي العكس ، تحس ارتياحا وطمأنينة كأنها خلقت هنا وكأن تلك الشقة الرائعه وجدت فقط لها ..
تلتفت ريم حول نفسها ، لاتعرف الوقت ، متي اشرقت الشمس ومتي غابت ، هل غابت ، كأنها بينها وبين الدنيا المألوفه حاجز زجاجي سميك ، لايمنعها من الرؤيه بل يمنعها من التفاعل المعتاد ، لفت ذراعها تنظر في معصمها عن ساعتها الرخيصه لم تجدها ، وجدت مكانها ساعه انيقه باهظة الثمن كثيرة الاحجار الكريمه ، يلمع عقربيها علي المينا الصدف ، تحسسها باصابعها مذعورة ، كأنها ليست لها ، بل هي ليست لها ، لكنها تتناسب والفستان الانيق الذي ترتديه و الحذاء اللامع الذي يزين قدميها ، احست ريم بالاغتراب كأنها ليست هي ، لا الشقة شقتها ولا الفستان لها ولا الساعه ساعتها ، ابتسمت ريم ، كـأن روحها انسلت داخل ريم اخري ، اكثر ثراء وصحه و اوفر حظا ، اتسعت ابتسامه ريم ، لكنها هي هذه الريم ، هي التي اكثر ثراء وصحه والاوفر حظا ، فهي التي ترتدي ما ترتديه و تتحرك في الشقة التي لاتعرفها لكنها تنتمي اليها!!
تسير ريم خطوه اثنين ، تصدر من حنجرتها اصوات استكشاف ، كأنها تنتظر ان يظهر لها ، في لحظة ما ، شخصا ما ، قوي قاسي واثق من خطواته ، يفتح باب الشقة ويقذفها علي السلم ، وقتها فقط ستشعر بالرعب ، لكنه رعب اليقين من حقيقتها وحقيقه حياتها ، تلك التي تكرها من اعماق قلبها ، لكنها تعرفها و لاتخاف منها !! لكن الشقه الخاوية لاترد علي ريم ، فلا تجد بدا من البحث بنفسها عن الحقيقه ، تتحرك بخطوات صغيره بطيئه ، تبحث عن شيئا ما يفسر لها حقيقه ما يجري ، لكن حيرتها تزداد و ارتباكها يتعمق ، فجأ يظهر لها علي احد الجدران ، اطار كبير انيق يضم صورتها ، اطار كبير يلمع لمعه وقورة اثريه ، بداخله صورتها ، صورتها هي ؟؟ لتزداد حيرتها اكثر ، فقد افاقت لتجد نفسها تجوب تلك الشقة غريبة غربه حميمة ، تجوب الشقة و تلج في غرفها ، لايعترض طريقها معترض ، ترتبك ريم ، انها تعيش لحظة غير حقيقيه ، وهم ، حلم ، تهز رأسها كأنها ستفيق ، لكنها لاتفيق ، بل هي فائقه بكامل وعيها ، تقترب من الاطار المعلق علي الحائط ، تتأمل صورتها ، صوره جميله ، بل صوره اجمل مما تري نفسها عاده ، فالوجه المحتجز داخل الاطار حر طليق ، يرتسم عليه ملامح الارتياح والراحه و الهدوء ، وجه يظهر عليه اثار مواد التجميل الباهظة الثمن التي لم تقوي يوما علي شراءها ، تبتسم ريم ارتباكا ، تتأمل الصورة بدقه اكثر ، هل صاحبه هذه الصورة هي انا ، ريم ، تهز رأسها نفيا ، لست انا ، تتأمل الصورة ، خاليه من أي اثر للهالات السوداء تحت جفنيها ، من اثر للتجاعيد الصغيره فوق شفتها العليا ، في تلك اللحظة تتحسس ريم شفتها العليا ، فلا تجد فوقها اثر للتجاعيد اللعينه التي كرهتها من كل قلبها ، بل فوق شفتها العليا نسيج ناعم رقيق ، خالي من التجاعيد بل وخالي من الشعيرات الصغيرة التي يؤلمها نزعها والتي تبقيها دائما فتزيد كأبه وجهها كأبة.. هزت ريم رأسها لاتصدق ، فالصورة صورتها ، بل وجهها ، وجهها الذي تعرف كل تضاريسه وتحفظها عن ظهر قلب ، وجهها تحول وتغير ، اصبح هو والصورة الجميله صنوان ، متماثلان ، تتسع ابتسامتها اكثر ، اذا كان هذا الوجه الجميل وجهها ، وكانت هذه الصورة الرائعه صورتها ، فلابد ان هذه الشقة ، شقتها !! ولابد ان تلك الساعه ، الساعه الماسية ساعتها ، ارتفع صوت ضحكات ريم عاليا في الشقة الخاوية ، يتردد صداه ، بين جدرانها صاخبا ، مجدولا بكلمات ريم ، كأن عقلي قد ذهب ، من اين لي هذه الشقه الثمينه المحتويات ، تحسست وجهها ، بل من أي لي هذا الوجه الناعم الصبي ، انا ريم ، موظفه الارشيف في وزاره الصحه ، ريم التي عاشت اكثر من نصف حياتها بين الملفات العتيقه القذرة تحمل من ذرات التراب وبقايا الحشرات المتحلله اكثر مما تحمله من المعلومات والاوراق ، ريم التي عاشت اكثر من نصف حياتها في تلك الشقة الصغيره المدفونه في حارة ضيقة متفرعه من شارع متعرج في تلك المنطقه المتكدسه بالبشر والمباني والدواب الخاليه من الجمال والاشجار والاوكسجين ، شقه صغيره بلا منافذ ، لا تدخل اليها شمسا ولا تشم فيها هواءا ولا تري من نوافذها قمرا ، تهز ريم رأسها تستنجد ببقايا وعيها ، تبحث عن فهم مستعصي عليها في تلك اللحظة التي تأخذها كلية وتسرب الي نفسها سعاده لا تعرف وصفها ، فهي التائهه الغريبة سعيده ومتوائمه مع هذا المكان الوهمي اكثر الاف المرات من سعادتها مع المكان الحقيقي الذي اعتادت عليه و اعتاد عليها .. تسير ريم بخفه ، تحرك ذراعيها بفرح ، تبتسم بثقه اكثر ، ويرتفع صوتها اكثر ، هل عقلي ذهب ؟؟ وفجأ تغضب من نفسها ، لما لايكون قد عاد ؟؟ لما لااكون قد فقت من كابوس طال ، اضج مضجعي ، كابوس حرمني من كل الجمال الذي املكه ، وجها ونفسا ودارا .. لما لااكون قد فقت من هذا الكابوس وتركت القبح والفقر و المعاناه في اعمق اعماقه غير اسفه علي ذلك لاجد نفسي في الجنه التي حلمت بارتيادها طوال ساعات الكابوس الطويل .. ضحكت ريم واستراحت للتفسير الاخير ، والقت بجسدها علي اقرب مقعد وثير ، وتعجبت ان ظهرها لايؤلمها وان مفاصلها لاتئن بصوت الالم المعتاد ، جلست علي المقعد ومدت امامها ساقيها اللامعتين ،خلعت حذائها الانيق ونظرته علي الارض النظيفه البراقة ، تأملت اصابع قدميها لامعه براقة ملونه ، وكفيها ناعمتين خاليتين من الشقوق السوداء والجلد الميت ، هزت ريم رأسها ، كأنها تعرف نفسها في هذه الصورة الباهية ، كأن الاخري تلك المتعبه المرهقه المعذبه ليست الا بطله الكابوس الذي انزاح مفسحا للحقيقه الرائعه مكنه التجلي !! وهكذا استراحت ريم علي المقعد الوثير و ارتخت عضلاتها ، و رنت في اذنيها موسيقي داخليه محببه ، وهامت مع افكارها وغابت وغابت وغابت يرتسم علي وجهها تعبيرا غريب مليء بالامتنان لان الكابوس قد انتهي بكل معاناته اللعينه وبقي لها الواقع الجميل ..
( 2 )
مدت فاتن اصابعها برشاقه وهزت ذراع ريم ، التي ارتجت مكانها مغلقه عيناها باصرار لاتريد فتحهمها ، لكن الحاح فاتن فاق قدرتها علي التجاهل ، ففتحت عيناها بحذر وبطء ، ليتسلل الضوء الخافت في قبو الارشيف محملا بذرات التراب الي عينها ، اغمضت عيناها بسرعه ، كأنها ترفض ما تراه ، لاتحبه ، لاتريد العوده اليه ، لكن ضحكات فاتن الساخرة ، اقتحمت اذنيها "قومي ياعسل ، نوم العوافي " حركت ريم جسدها الرخو من علي الكرسي الخشبي العتيق ، صدر عن الكرسي صرير مألوف لها ، تسلل الوعي الي عقلها الغائب بسرعه ، فهاهي تستيقظ ، فتحت عيناها ذعره ، واغلقتهما بذعر اكثر ، بحثت بكفيها عن حذائها ، ليصطدما ببعضهما البعض ، تسمع صوت الجلد الخشن المبطن لكعبيها ، وفي تلك الحركه العشوائيه تقذف بحذائها القديم بعيدا عن منالها " قومي ياعسل ، ده انا سيباكي من الصبح واخده راحتك " هكذا الحت عليها فاتن ، تستجلب لها اليقظه الكريهه ، فتحت ريم عيناها ، جفناها ثقيلان كأن صمغ لعين لصقهما ورموشها ، لكنها جاهدت ، ثم انتبهت ، ثم ادركت مكانها ، في قبو وزاره الصحه في قسم الارشيف ، وهذا الصوت المزعج الذي يطاردها ، هو صوت فاتن زميلتها في القسم ، ابتسمت ريم ابتسامه واسعه ، متجاهله نظرات فاتن الفضولية " من الصبح سيباكي نايمه ، شكلك خلصان ، صعوبتي عليا " تمطعت ريم وفردت ذراعيها ، لتلمح بطرف عيناها المتعبة ساعتها الرخيصه ، باهته الملامح ، ترقد علي معصمها في مكانها المألوف ، ازدادت ابتسامه ريم اتساعا " اما حتت حلم " تسترجع لحظات الفرح الظاغي التي عاشتها ، تسترجع قسمات وجهها الجميل في الاطار البراق الانيق " منك لله يافاتن ، ماكنتي سيبتيني نايمه " نظرت لها فاتن بلوم " اكتر من كده " دست ريم كعبيها في الحذاء تسمع صوت احتكاك الجلد الخشن بباطن الحذاء الاكثر خشونه ، وقامت من مقعدها تحرك قدميها المتيبستين ، دارت ببصرها حولها ، تري الرفوف اللعينه مكدسه بالملفات المكتظة المربوطه بالحبال ، تري مكتبها ومكتب فاتن ، تلمح الكرسي المكسور امام مكتب فاتن يرتكن عليه ، تتذكر ، شقتها ، تلك الجميله الانيقة ومقعدها الوثير الذي اغفت عليه فعادت من الحلم للكابوس وازدادت ابتسامتها " النبي باينك هبلة " بادرتها فاتن وهي تلم حقيبها وتستعد للرحيل " صاحبه من النوم هطله كده ليه ، من ساعه ما قومتي وانا ما بطلتيش ضحك عمال علي بطال " نظرت لها ريم بشفقة ، فهي لاتعرف ، لم ترد عليها وحملت حقيبتها الرخيصه تحت ابطها فواح الرائحه و تحركت بخطوات بطيئة كأنها لاتصدق انها عائده الي الكابوس الذي ظنت نفسها فرت منه ، وسارت في طريقها لباب الخروج من الحجره ، لكن فاتن امسكت بذراعها " فوقي ياريم وصححي ، كتره الاحلام تهبل ، تضيع العقل ، والحلم في الاول والاخر حلم لايحل مشاكل ولا يعمر بيوت " ازدات شفقه ريم وارتسمت علي وجهها المتعب تعبيرات واضحه " البركه فيكي ، مش انتي فايقة ، وريني بقي حتحلي المشاكل ازاي ، اوعي بلاغلب " وافلتت من قبضتها غاضبه وسارت تهز ذراعيها بقوة ولم تنتظرها " يام كتره الاحلام تهبل ، طب والعيشة السودا تعمل ايه ، بلاغلب !! " واكملت سيرها ، تسمع موسيقي نشاز تصم اذنيها ، صوت احتكاك حذائها البالي علي الارض الاسمنتيه المشققة ، وقتها تدرك عودتها الي كابوس حياتها الواقعي ، فهاهي ريم موظفة الارشيف بوزاره الصحه ، تخرج من باب الوزاره الي الشارع المزدحم المليء بالغازات والرطوبة والتراب ، تنتظر علي الرصيف المكسر الاتوبيس المزدحم الذي تركبه كل يوم .. ابتسمت ريم وهي واقفه علي الرصيف بين كل الناس العابسة ، غريبة بين تعساء لايجدون في حياتهم أي مبرر للابتسام ، ابتسمت تستعيد كل تفاصيل الحلم الذهبي الذي انتشلها من واقعها المرير فهون عليها ساعات العمل المملة وتمنت لو تظل نائمه الي الابد ؟........
" كتابه عثرت عليها مصادفه في احد ملفات الكومبيوتر القديم - يبدو انها مشروع فكره لروايه او قصه كتبتها منذ زمن بعيد ونسيتها فلم تكتمل ....... !!!!! "

لا اصدق .......!!!!!!!!


لماذا لا اصدق ؟؟؟
رغم الخطين المتوازيين علي شاشه غرفه العنايه المركزة ، ورغم طبقات الكفن السبع ، ورغم رائحه الكولونيا علي الجسد النحيب المزرق من اثار الحقن المتتاليه و المحاليل ، لماذا مازلت لا اصدق ؟؟؟ ..
لماذا لا اصدق ؟؟ رغم الصندوق المحمول علي الاعناق ورغم باقات الورود مزينه بالشرائط البنفسجيه ، ورغم انزلاق الجسد في مستقره الاخير ورغم انهمار التراب علي البوابه الحجريه كفاصل بين عالمين لا اختلاط بينهما ، رغم انني رأيت كل هذا وعشته الا انني مازلت لا اصدق؟؟!!!
لماذا لا اصدق ؟؟ رغم كل الالم ، والحزن ، وفيضان الدموع ونحيب البكاء و اسوداد الملابس ونعي الاهرام لماذا لا اصدق ؟؟.. رغم كل التلغرافات و كلمات العزاء والتشجيع والمواساة ، ورغم فطير الرحمه ، وورد المقبرة ودعاء التثبيت عند السؤال ، والقرأن الموهوب لروحها ينير قبرها من فوقها ومن تحتها ومن يمينها ومن يسارها ، لماذا مازلت لا اصدق ؟؟
لماذا لا اصدق انه فهذا اليوم الكئيب ماتت امي ورحلت راضيه مرضيه وتركتني اواجهه اعباء هذا الرحيل والمه وهكذا اصبحت في ذلك اليوم وتلك الثانيه البغيضه ، يتيمه بلا ام .. ماتت امي وتركتني وعمري ثلاثه واربعين سنه ، لكن لحظة موتها ، تلك اللحظة التي توقف فيه انفاسها ، وتهدل فكها ، واغلقت عيناها ، وبرد جسدها ، وسكن قلبها المتعب ، تلك اللحظة ، كشفت لي حقيقه نفسي ، فلست الا طفله صغيره تحتاج وبشدة الي امها ، التي تركتها ورحلت !!
لذا مازلت لا اصدق !!!

عنقود العنب .......


هرول ورائها ، صرخت فضحك ..
إزداد صراخها فزعا ، إزداد ضحكه هستيرية .. أنقض عليها محاولا الامساك بها ، صغيره عارية الا من لباس أبيض صغير لايغطي الا عورتها الصغيرة ، يتناسب وطفولتها ودرجة الحرارة المرتفعة .. تفر منه تتصورها لعبة وستنتهي !!
يقترب منها بساقيه الطويلتين ، يعدو خلفها بجدية كأنه يهرب من مطاردة شرسه او يمسك حرامي ، لا تفهم لعبته ، تتوقف برهة بفزع ، تنظر خلفها ، لجسده الضخم المحيط بها وبظلالها الملقاة علي الحائط ....
ينقض عليها ثانية وفي هذه المرة يخطف من يدها الصغيرة عنقود العنب ، تحاول التمسك به ، يعتصر كل أصابعها الرفيعة بأصبعه الغليظ ، تسيل علي كف يدها الهشة بعض قطرات العصير ، تختلط علي وجهها بدموعها الحانقة .. يسبقها ، لا تلحق به ، تصرخ وتصرخ ، يضحك ويضحك ، تتلاهث انفاسها ، ينظر لها من بعيد بعيد بتحدي ، تحاول الاقتراب منه ، يلوح لها بالعنقود ، ينتقي اكبر حباته وانضجها ويسقطها في فمه ، يمضغها بتلذذ ، مستعرضا قوته وجبروته .. تفهم انها ليست لعبة !!
تصر علي انتزاع حقها من يده ، تجري نحوه بسرعه ، تضرب ساقه بقبضتها الصغيرة ، ضربة تضع فيها كل قوتها وغضبها ، تتسلقه ، تحاول الوصول الي ذراعيه الطويله المعلقة قرب السماء تحمل عنقود العنب يتأرجح كثريا عالية ، تصرخ في وجهـه المبتسم ، تناشده ، يقترب بالعنقود من رأسها ، من فمها ، يلوح به امام عينيها الباكيتين ....
يسألها بسخرية " عايزاه ؟؟ " تتردد في الاجابة ، لا تثق فيه ، تتأمله ، عملاق بأذرع طويلة عالية تحمل في قمتها عنقود الكهرمان البعيد " عايزاه ؟؟ " سؤال لا تعرف كيفية الاجابة عليه ، لا ترد يطريقة مباشرة ، لكنها تمسك في الذراع بجسدها الصغير الرفيع ، تجلس علي احدي ساقيه الطويلتين ، لتري ظلالها بجوار ظلاله في الحائط القريب ، حجمها اصغر من حجم العنقود المعلق ..
يهبط بذراعيه تدريجيا يقترب من فمها المرتعش ، تهدأ حركتها ، تنتظر فرجا وعطاء ، تتصور اللعبة انتهت .. وقبل ان تصدق نظرها ، تري فمه الكبير يلتهم كل العنقود دفعة واحدة و يلتهمها ، تتناثر من بين اسنانه المصقوله الحاده جزئيات مسكره ممتزجه بلعابه الكثيف .. يٌخرج لها من فمه فرعا عاريا ممضوغا ويلقيه عليها وهو يكاد يموت من الضحك !!! اليست لعبة ؟؟!!
لا تصدق ، لا تبكي ، لا تحس مزيدا من القهر ، تشعر خوفا علي اصباعها الصغيرة ، علي جســدها المرتعش وتفر هاربة ، تلقي في وجه الفرع الفارغ من ثماره ، تنظر له نظرة رعب ، وتبحث عن جحر صغير تدفن فيه نفسها ومخاوفها ..
تجري بعيدا يطاردها صوت ضحكاته العالية المنتشية ، يشعر انتصارا مزيفا ، انتصار عملاق كبير علي عقلة الصباع الصغيرة .. تنام تعبا ورعبا ، مرسوم علي وجهها اخدود دموع ، وعلي شفتيها يترسب طعمها المالح .. ينام ارهاقا من كثره الضحك والتخمة ومن كثرة اللعب !! في الحلم يأتي لهــا رجل طيب يحتضنها ويواسيها ، يقول لها " اخوك الكبير ، ماتزعليش منه " .. تبتسم وتقرر انها لن تزعل منه !!
اما هو فلا يأتيه احد في الحلم يقول له " اختك الصغيرة ، خد بالك منها ومتضايقهاش "" لذا يصر بين اضغاث نومه علي اللعب معها ، يصر علي اختطاف كل ما يجده في يدها ليلتهمه وينام سعيدا فرحا بلعبته المرحة !!!


وبعدين .............؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

انا مثل ملايين المصريين غاضبه من الحياه التي نعيشيها اتمني حياه اخري لا اعرف شكلها ولا شكل ايامها لكني انتظرها حياه هادئه تتحقق فيها الاحلام البسيطه للجميع نعيش بكرامه لانخاف الغد ونتظره بسعاده وامان نمنح اطفالنا المستقبل الجميل ونعيش الواقع العذب نعمل بجهد فنحصل فرصتنا في الحياه علي عائد عملنا خيرات ماديه وتقدير ادبي واحترام ومكانه مرموقه ، نحترم القانون ورجاله فيفرض علينا حمايته ردعا حقيقيا يمنع المجرمين والعابثين والمستهترين من الاعتداء علينا ومن اغتصاب حقوقنا ... انا مثل ملايين المصريين غاضبه لكني في نفس الوقت لا اعطي اذني اوعقلي ولا امنح قلبي او وجداني لمن يتحدثون طيله الوقت عن كل القضايا وجميع الموضوعات يدعون العلم الاعلي والخبره الاعمق ويصدعون رآسي كل وقت بكلماتهم الفارغه التي لا تثمر نبتا ولا تروي عطشا ولا " تشفي غليل " !!!! انا مثل ملايين المصريين لي عشرات بل الوف بل ملايين الانتقادات للواقع الرديئ الذي نعيشه في نفس الوقت تعبت وضجرت ومللت من كثره الانتقادات والولوله والبكاء علي اللبن المسكوب والتعبير عن الغضب مما غضبنا منه مليون مره ، تعبت وضجرت ومللت من كثره المرثيات الموجعه التي لم نسمع غيرها طوال دقائق يومنا وكآن حياتنا وايامها ولياليها تحولت لمآتم كبير نتوشح بسواده ونمسح دموعه ونواري التراب فوق جثث قتلاه ، " زهقت " من كثره النقد واللوم وتبادل الاتهامات و تراشق النيران اللفظيه والمعارك الوهميه التي يخوضها الجميع ضد الجميع كآننا في ساحه حرب لا نسمع فيها الا قرقعه السيوف وانفجارات القنابل ودوي المدافع ولانري الا لون ال" هباب " الاسود ولون الدماء الحمراء وتتواري من حياتنا الوان الخصوبه والصفاء والنقاء والحب والتعاطف والتسامح والبهجه والفرح المزركش !!! " " زهقت " من النقد ونقد النقد وتكذيب النقد وتصحيح النقد والرد علي النقد !!! "زهقت " من الصحف التي لا تكتب الا عن السواد الذي نعيشه والغضب الذي يحتل صدورنا واللامبالاه التي تواجههنا والفساد الذي يحاصرنا و" العيشه السودا " !!! " زهقت " من المعارك التي تعد ردا علي الانتقادات ومن الحملات التي تجهز ضحدا للانتقادات ومن " الردح " المنظم الذي تتبادله جميع الاطراف ينالوا من بعضهم البعض ينقبون عن تاريخهم الاسود وسقطاتهم المهينه و" سيره جده وجد جده " !!! زهقت من البرامج التلفزيونيه فضائيه وارضيه تلك البرامج الهابطه التي لا تعرض الا المشاكل المستعصيه التي نكتوي بنارها كل يوم والمصائب التي نتعرض لها كل لحظه و" البلاوي " التي لا نعرف لها نهايه او مخرج تعرضها علينا وتستجلب بعض الضيوف اللذين يؤكدون لنا ان الوضع مآسوي و" زفت خالص " وان المشكله كبيره جدا و" مافيش حل " زهقت لاننا نتمني حل وننتظر حل و" نفسنا موت موت في اي حل " !!! " زهقت " و" طنشت " وزهقت و" كبرت " وزهقت " وعملت نفسي مش زهقانه " وفي الاخر فاضل الكيل وسآلت نفسي " طب وبعدين !!! " عانينا من المشاكل وتعبنا من اثارها وغضبنا من تراكمها ويآسنا من حلها وتعذبنا من حصارها " وبعدين ؟؟؟" سآلت نفسي وانا مرهقه تعبه نصف يائسه ربع محبطه علي وشك الاكتئاب " طب وبعدين " !!!!! سآلت نفسي ومازلت اسآلها واسآلكم " وبعدين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ " ...

25 أبريل 2008

هي ..................






.........................هي الحياه كده ليه بقي ليها لون تاني ............................بقي ليها طعم جديد غير لي ايامي .....

23 أبريل 2008

ادونا العادة ......و حالو ياحالو

حين فتحت باب شقتنا – وانا طفلة صغيرة - ووجدت جدتي لابي امامي تحيط بها الحقائب والصفائح و" قفف " العيش الفلاحي حتي صرخت فرحة وادركت ان شهر رمضان قد هل علينا بايامه ولياليه الجميلة فجدتي لابي رحمها الله عاشت وماتت في منزل الاسرة الريفي القابع في احد القري الصغيرة بدلتا النيل ولم تغادره للاقامة في أي مكان اخر سواء بمنزل أي من اولادها او في حضن أي من بناتها رغم كل الضغط والالحاح المستمرة مبينة للجميع بحسم ووضوح ان منزلها اولي بها ويحتاج اليها وان المنزل مفتوح لمن يرغب في الاقامة معها او الراحه من ارهاق القاهرة او الغضب من الزوج او الزوجه و" اهلا وسهلا بيكم في أي وقت " واكدت انها لن تغادره ابدا الا الي قبرها المجاور له وقد كان !!! وعاشت جدتي قدر ماعاشت متمسكة بموقفها فلم تغيره الا في شهر رمضان من كل عام باعتباره شهرا "مبروكا" يستلزم الجمع العائلي للاحساس بقيمته وفرحته " وهو رمضان يجوز الا باللمة " فكانت تحزم امتعتها وتستأجر سيارة تحمل فيها كل ما اعدته من اطايب المأكل والمشرب من خيرات الريف وصناعته المنزلية من " زتون مخلل ومربي ورد وجزر احمر وسمنه بلدي ومرتة وعيش مرحرح وبيض بلدي وبط وشعرية فلاحي وفطير مشلتت وقشدة صابحة وجبنه دايرة ودقة سمسم ولبن بخيره " وتنزل علينا في القاهرة تقضي معنا كل ايام الشهر الكريم توزع وقتها وحبها وعطائها الفياض وعطاياها وهداياها الوفيرة وحواديتها المدهشة بين منازل ابناءها بالعدل والقسطاط فتقيم لدي كل منهم عدة ايام تمنحهم فيها السعادة والحميمية والحب الجارف و" لمة " العائلة ، وقد كان مقدم جدتي لمنزلنا عيدا فتجلس وسطنا وتجمع حولها بقيه الابناء والبنات والاحفاد والاقارب فيتبدل حال العائلة المنشغل افرادها كل بنفسه ويعم علي ابناءها السعادة والسرور فيتبادلوا الزيارات و" العزومات" والحب العميق ويعيشوا ايام رمضان ولياليه مرحا وفرحا في كنف جدتي التي علمتنا الصلاة والصوم وتلاوة القرأن وسماع ادعية النقشبندي و" الف ليلة وليلة " في الراديو واهم من هذا كله فاضت علينا بذكرياتها قصص وحكايات جميلة عن طقوس رمضان في قريتنا وامسيات المدح النبوي في الدوار واحتفالات خاتمه القرأن واحتساء القرفة الساخنة واعداد موائد الافطار للفقراء وقوافل الاطفال تلهو بالفوانيس و" ادونا العادة " وادعية الفجر وصوت الكروان يشق عنان السماء و" الملك لك لك " ... وهكذا منحتنا جدتي لابي مذاقا خاصا للشهر الكريم وتركت صوتها الرخيم وهي تتلو القرأن يؤنسنا في الليالي الموحشة ومازالت لكزاتها الحانية توقظنا مع دقات طبلة المسحراتي لتناول السحور فنقفز من اسرتنا الدافئة لاحضانها الاكثر دفئا وقد آثرت جدتي لابي وبعد عمر مديد منحت فيه كل من حولها السعادة الحقة الرحيل عن دنيانا في اواخر شهر رمضان في المرة الوحيدة التي بقيت في منزلنا ولم تأتي الينا وكأنها قررت الاحتفاظ لنا في منازلنا برمضان الجميل وكنوز ذكرياتها الجميلة وهاهي السنين مرت وهدمت الاسرة منزلها الريفي وباعت انقاضه وذكرياتنا بالورق البخس فلم يبقي لنا من هذا العالم الجميل الا ذكريات جدتي تؤنسنا وتهون علينا ايامنا نستجلب منها الفرحة والسعادة مع مقدم شهر رمضان و" ادونا العادة !!" ..

" من مقاله دفء الذكريات - نشرت بجريده روز اليوسف اليوميه سبتمبر ٢٠٠٦ "

لا احب اللون الازرق ........!


الازرق ...
كان لجدي ابو امي عيون زجاجيه زرقاء .. كانت عيون بغير مشاعر ، صارمه قاسيه لايمكن ابدا ان تشعر منها بأي قرب ، فعلي الرغم من انه كان يحتضني كثيرا الا انه الاشعه الزرقاء من عينه كانت تخيفني وتحول بيني وبين أي احساس بالقرب او الحب .. فجدي ابو امي كان رجلا صارما لايبتسم ، كأن الابتسامه ضعفا لايجب ان نراه ..
ففي أي لحظة تنظر في عينيه كنت لاتري في عينه الزرقاء الا نظرات قسوه مغلفه ببعض الحنان الزائف .. لاتري في عينيه الا نظرات بعيده كأنه لم يقترب ابدا من احد ولن يقترب .. الحق انني لااتذكره ، ولااتذكر ملامحه فقد مات وانا صغيره جدا .. لكني اذكر مجرد انطباعاتي عنه .. وهي انطباعات قد تكون صحيحه وقد تكون مبالغ فيها ، وفي الحالتين ليس مهم ، المهم انها انطباعاتي التي حفرت في الذاكرة ..
اذكر صوت خطوانه الثقيله في الممر الطويل في طريقه من غرفه النوم البحريه الي الحمام يتنحنح بقوه كأنه يعلن عن
وجوده ونفسه .. صوت خطوات لابد ان ينتبه لها الجميع .. ليس فقط ينتبه بل يرتعد لها الجميع ، وكنا جميعا وبلا استثناء ، نرتعد !!
اذكر صوته العالي يصرخ في الخدم ، بالفاظ قاسيه جارحه تفصح عن احساسه بنفسه ، احساس ملي بالزهو و الغرور والتكبر ، بأعتباره عمدة بلده صغيره ورثها اب عن جد .. اذكر وقت صراخه ان عيونه الزرقاء كانت تلتهب بنيران الغضب والحدة .. ومن يومها وانا لااحب العيون الزرقاء ولا حتي العيون الملونه .. احسها قاسيه تحمل ورائها قلب من رخام بارد بغير مشاعر ..

والادهي انني من وقتها لم احب اللون الازرق ، فهو يذكرني بالصرامه والقسوة والبعد .. ورغم ان البحر ازرق وانا احب البحر ، ورغم ان السماء زرقاء وانا احب السماء الا انني احب فقط البحر والسماء ولااحب اللون الازرق .. لذا فقد سعدت كثيرا وقت عرفت ان بيكاسو عبر عن مرحلته الاكتئابيه باللون الازرق ، واحسسته فهم اللون الازرق بشكل عميق ، ولولا عدم المعقوليه لقلت انه – أي بيكاسو – رأي عيني جدي ثم بدأ في مرحلته الاكتئابية الزرقاء ..
هكذا الذاكره انتقائيه ، تجلب الصور الواحده تلو الاخري ، ملونه ، كل تحمل في لونها الاحساس بها وباللون ﻷ يتغير .. لذا وقت رأيت المساجين يرتدون ملابس السجن الزرقاء عرفت ان احساسي باللون كان طيله عمري صحيحا ، وفكرت لماذا اختاروا اللون الازرق لهؤلاء الاسري ، لانه لون قاتم كأيامهم المتعاقبه ، لون بارد كلون لياليهم .. يومها ، او ايامها وهم ايام كثر ، تأكدت انني لااحب اللون الازرق بجميع درجاته ، لكن الغريب انني استعمله كثيرا ، تمردا علي هذا الكره ، لكنه تمرد لم ينجح في تغير احساسي باللون .. فرغم كل الاشياء الزرقاء التي حولي ، انا مازلت لا احب اللون الازرق.


"الازرق - الذاكره الالوان"