31 أكتوبر 2008

الذاكره الالوان ... الاسود


ماذا اذكر عن اللون الاسود ، انه لون جزم المدرسه ، كنت احب الاسود اللميع ، كان تنظيف الحذاء اللميع الاسود اسهل من تنظيف الحذاء الاسود العادي ، الذي كان يتطلب منا تنظيفه ، الجلوس علي الارض القرفصاء ومعنا علبه الورنيش المدوره وفوطه وفرشه ومجهود وقرف ، علشان الجزمه السودا تنضف ، اما الجزمه السودا اللميع ، فكان تنظيفها سهل ، فمجرد مسحها بفوطه ناعمه وبسرعه ، يجعلها تلمع وبسرعه .. ماذا يعني ايضا اللون الاسود ، انه لون ملابس جدتي " نينه مديحه " منذ مات جدي العمدة ، ، نينه مديحه التي مازالت في ذاكرتي سيده تخينه بيضه بشعر ناعم اسود مصبوغ ، وفستان اسود بلا وسط ، انه لون ملابس الحداد التي ارتدتها علي زوجها العمده ، ثم ابنتها الشابه التي ماتت وبقيت ترتديه حتي ماتت هي وارتديناه نحن عليها .. اللون الاسود ، انه لون ملابس امي بعد ان ماتت شقيقتها الشابه موتا دراميا مفاجئا ، لون ملابس صيف عام 1974 ، ملابس صيفيه انيقه ، جميعها لونها اسود ، استمرت امي ترتدي الملابس السوداء عاما كامل علي شقيقتها المتوفاة ، لكن ذلك الحداد في الملابس لم يحول بين تغير فورمات الشعر ، ولون الروج ، فقد بقيت الملابس سوداء حتي بعد ان تبدد الحزن الظاهر ، وارتفعت صوت الضحكات عاليه في بلكونه شقه المعمورة .. ومازالت اكثر صور امي تعبيرا وحيويه هي صوره لها بفستان اسود انيق بدون اكمام صورة اميز ما فيها ابتسامه كبيرة واسعه تنبيء عن امل وفرحه يتناقض تماما ولون الملابس السوداء .. ماذا يعني ايضا اللون الاسود ، انه لون حجره النوم الابانوس التي كانت موجوده في بيت جدي العمده ، حجرة نوم غريبه خشبها اسود لامع ، انها الحجره التي قالوا انها غاليه جدا ، كانت احد معالم منزل جدي ، حتي اخرجها خالي من البيت علشان يتزوج ، واختفت ولم نعد نسمع عنهاالا بعض الجمل المريرة من امي التي تتذكر دائما باسي حجرة النوم الابنوس التي تلاشت من ضمن ما تلاشي من ذلك المنزل دون ابداء او معرفه اسباب مفهومه ودون مواجهه من امي او جدتي مع خالي الذي استباح لنفسه من وجهه نظرهم ان يخفي اشياءهم المحببه دون ان ينال ذلك من رضاه علي نفسه وكثره صلاوته .. وربما كانت تلك الحجره واحساسي بها منذ الطفوله ، هي السبب في انني احب الخشب الاسود ، دون عن بقيه الوانه ، فهو لون الخشب المتميز الثري ، لون خشب الابانوس ، لذا وقت احضر لي زوجي ( السابق - تعليق في اكتوبر ٢٠٠٨ ) من الهند فيلا صغير ابنوس ، وافصح لي عن ارتفاع سعر ه ، عاملته باحترام وود ، لكن لم يفوتني ان احكي له عن حجره النوم الابانوس التي اخفاها خالي برضاء ضمير متحسره علي ميراث امي الضائع .. الاسود ، هذا اللون الذي منعنا من ارتداه طوال طفولتنا ، افصحت ماما عن رأيها بوضوح وحسم ، مافيش بنات بتلبس اسود ، وايدتها جدتي " بكرة تلبسوه كتير مستعجلين علي ايه " ولم نصدق جدتي ولم يعجبنا كلام ماما ، حتي مرت الايام ولم يعد يمر اسبوع الا ومات احد المعارف او الاصدقاء واجبرنا علي ارتداء الملابس السودا ، وقتها فقط تذكرت جدتي وامنت بقولها وصادقت عليه " فعلا كنا مستعجلين علي ايه " .. الاسود ، انه لون العربية البويك الكبيرة التي اشتراها ابي عام1972 ، يجلس علي كنبتها الاماميه ثلاث وعلي كنبتها الخلفيه اربع ، يتباهي بها ابي ونحن معه ، عربيه سودا كبيرة ، كان يأتي بها لنا المدرسه الحكوميه ، فتفتح البنات عيونها اندهاشا واعجابا وحسدا ، وكان ذلك يجعلنا اكثر سعاده واحساسا مزيفا بالتميز .. انها السياره التي اعتادت امي ان تصطحب معها صديقاتها في نزهات مسائيه فيقود ابي السياره وتضحك امي وصديقاتها !!!!! وفي نهايه المطاف بيعت السيارة البويك الفارهه وطلقت امي !!!!! الاسود ، انه لون الملس الحرير الموجود في دولاب تيته نبويه في مشتول ، الملس الاسود ،انه الزي التقليدي الذي كانت ترتديه عماتي وامي و زوجات عمي و جدتي واي من نساء الاسرة الكبيرات وقت يخرجن من باب الحديقه في زياره اي من بيوت العائلة ، اذ لايصح ان تخرج السيدات في مشتول بملابسهن الافرنجيه ، بل يرتدين فوقها ملس اسود مكشكش حرير ومعه طرحه كريب جورجيت سودا هفهافه ، وكم استهواني ذلك الملس ، وحلمت بارتداءه ، مثل نساء الاسرة الكبيرات ، حلما بأن نكبر بسرعه ،ونصبح مثل هذه السيدات ، وعندما بلغت اثني عشر سنه ، قررت وبنات عمومتي ، ان نرتدي ملس النساء الكبيرات تشبها بهن ، وفعلا تآمرن علي ذلك وانتهزن فرصه نوم سيدات الاسرة بعد الغداء وارتدين جميعا الملس والطرحه وخرجن من الحديقه مسرعات ونحن نضحك لاننا كبرنا او نعمل اننا كبرنا ، وزرنا بيت عمتي ام صلاح وتجاوزنا عن الابتسامات المكتومه التي ارتسمت علي وجه بناتها ، وعدنا الي المنزل لنجد عماتي وامي وزوجات عمي يشربن الشاي في الفرانده وهن يضحكن علي هبلنا واستعجالنا علي الكبر ، وقتها غضبنا منهن ، لانهن اطلقن سخريه الاولاد علينا ، واليوم وبعد ان مرت كل هذه السنوات وماتت العمات و كاد البيت ان يباع ( بيع البيت فعلا في يناير ٢٠٠٢ - ملحوظه في اكتوبر ٢٠٠٨ ") و سرق الملس ، وخرجت النساء في مشتول دون ملس ودون طرحه ، ادركنا اننا وقتها لم نكن هبل بل كنا بنلعب بمنتهي الجديه دور النساء الكبيرات ، و ياليتنا وقتها لم نفعل ، فالكبر اتي اتي لا ريب فيه .. ومازلت احب الملس الاسود ، واحسه حريمي وجميل ، واحس تجاهه بذكريات محببه ، لذا وقت سافرت مؤتمر المرأه في الصين ، اخذت معي ملس مزيف اشترتيه من خان الخليلي لارتداءه في اليوم العربي كزي تقليدي للنساء في بلدتنا ، وارتديته وعدت لطفولتي ومراهقتي وذكرياتي ، وترحمت علي جدتي وعلي عماتي ، وعلي الوقت الذي كان يعامل فيه الملس بمنتهي الاحترام و تحسرت علي انه لم يعد الا فلكورا نرتديه في المهرجانات الاحتفالية .. الاسود ، انه اللون الذي اختير لونا للحداد ، فارتديناه مرات ومرات ، علي كل صديق مات وترك في قلبنا جرح ، وعلي كل قريب مات وكسر من شجره العائله فرع ، واليوم نرتديه علي ماما التي ماتت من ما يزيد قليلا علي اسبوعين ، ارتديناه بعد حصل الكابوس المزعج الذي طالما خفنا منه ، ان تموت ماما وتسيبنا ، وماتت وسابتنا ، ونظمنا لها ميتم يليق بمقامها ، وعملنا نعي كبير ، وذكرنا اسم ابيها العمده وعائله امها التي طالما تباهت بانتسابتها لها ، واحضرنا الشيوخ و الجرسونات ، و بكينا بحسره والم واحساس بالخسارة ، وطلعنا القرافه ، ووزعنا الرحمه ووهبنا لها صوره يسين كل يوم خميس بليل ، وعزتنا الناس اطوافا وراء اطواف ، واكتسي البيت باللون الاسود وخزنا انا ومشيره ملابس الصيف الملونه وارتدينا الجلاليب السوداء حتي في البيت و طفح الحزن علي ايامنا ، وكيف لا وماما ماتت وسابتنا !!! يوليو ٢٠٠٢ ......

هناك تعليق واحد:

مها يقول...

بالرغم من كون الذكريات فى بعض اللحظات تكون حزينه الا انها نعمه لا يعرفها الا من افتقد وجود الذكريات فى حياته
وحاول ان يلملم منها اشلاء متناثرة عبر سنوات عمرة
ليوهم نفسه بوجود شئ يذكرة فى حياته